الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
17
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والهجوع : النوم الخفيف وهو الغرار . ودلت الآية على أنهم كانوا يهجعون قليلا من الليل وذلك اقتداء بأمر اللّه تعالى نبيئه صلى اللّه عليه وسلم بقوله : قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ [ المزمل : 2 - 4 ] وقد كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يأمرهم بذلك كما في حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص « أن رسول اللّه قال له : لم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار قال : نعم . قال : لا تفعل إنك إن فعلت ذلك نفهت النفس وهجمت العين . وقال له : قم ونم ، فإن لنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا » . وقد اشتملت هذه الجملة على خصائص من البلاغة : أولاها : فعل الكون في قوله : كانُوا الدال على أن خبرها سنّة متقررة . الثاني : العدول عن أن يقال : كانوا يقيمون الليل ، أو كانوا يصلّون في جوف الليل ، إلى قوله : قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ لأن في ذكر الهجوع تذكيرا بالحالة التي تميل إليها النفوس فتغلبها وتصرفها عن ذكر اللّه تعالى وهو من قبيل قوله تعالى : تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ [ السجدة : 16 ] ، فكان في الآية إطناب اقتضاه تصوير تلك الحالة ، والبليغ قد يورد في كلامه ما لا تتوقف عليه استفادة المعنى إذا كان يرمي بذلك إلى تحصيل صور الألفاظ المزيدة . الثالث : التصريح بقوله : مِنَ اللَّيْلِ للتذكير بأنهم تركوا النوم في الوقت الذي من شأنه استدعاء النفوس للنوم فيه زيادة في تصوير جلال قيامهم الليل وإلا فإن قوله : كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ يفيد أنه من الليل . الرابع : تقييد الهجوع بالقليل للإشارة إلى أنهم لا يستكملون منتهى حقيقة الهجوع بل يأخذون منه قليلا . وهذه الخصوصية فاتت أبا قيس بن الأسلت في قوله : قد حصت البيضة رأسي فما * أطعم نوما غير تهجاع الخامس : المبالغة في تقليل هجوعهم لإفادة أنه أقل ما يهجعه الهاجع . وانتصب قَلِيلًا على الظرف لأنه وصف بالزمان بقوله : مِنَ اللَّيْلِ . والتقدير : زمنا قليلا من الليل ، والعامل في الظرف يَهْجَعُونَ . و مِنَ اللَّيْلِ تبعيض . ثم أتبع ذلك بأنهم يستغفرون في السحر ، أي فإذا آذن الليل بالانصرام سألوا اللّه أن